الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
55
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تذكر رسالته لأن معجزة تخليقه دالة على صدق رسالته . وأما قوله وَأُمَّهُ فهو إدماج لتسفيه اليهود فيما رموا به مريم عليها السلام فإن ما جعله اللّه آية لها ولابنها جعلوه مطعنا ومغمزا فيهما . وتنكير آيَةً للتعظيم لأنها آية تحتوي على آيات . ولما كان مجموعها دالا على صدق عيسى في رسالته جعل مجموعها آية عظيمة على صدقه كما علمت . وأما قوله : وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ فهو تنويه بهما إذ جعلهما اللّه محل عنايته ومظهر قدرته ولطفه . والإيواء : جعل الغير آويا ، أي ساكنا . وتقدم عند قوله : أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ في سورة هود [ 80 ] وعند قوله : سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ في سورة هود [ 43 ] . والربوة بضم الراء : المرتفع من الأرض . ويجوز في الراء الحركات الثلاث . وتقدم في قوله تعالى : كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ في البقرة [ 265 ] . والمراد بهذا الإيواء وحي اللّه لمريم أن تنفرد بربوة حين اقترب مخاضها لتلد عيسى في منعزل من الناس حفظا لعيسى من أذاهم . والقرار : المكث في المكان ، أي هي صالحة لأن تكون قرارا ، فأضيفت الربوة إلى المعنى الحاصل فيها لأدنى ملابسة وذلك بما اشتملت عليه من النخيل المثمر فتكون في ظله ولا تحتاج إلى طلب قوتها . والمعين : الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض ، وهو وصف جرى على موصوف محذوف ، أي ماء معين ، لدلالة الوصف عليه كقوله : حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ [ الحاقة : 11 ] . وهذا في معنى قوله في سورة مريم [ 24 - 26 ] قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً . [ 51 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 51 ] يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 51 ) يتعيّن تقدير قول محذوف اكتفاء بالمقول ، وهو استئناف ابتدائي ، أي قلنا : يا أيها الرسل كلوا . والمحكي هنا حكي بالمعنى لأن الخطاب المذكور هنا لم يكن موجها للرسل في وقت واحد بضرورة اختلاف عصورهم . فالتقدير : قلنا لكل رسول ممّن مضى ذكرهم